السيد محمد الصدر
61
منة المنان في الدفاع عن القرآن
معنى الشغل ، لا خصوص العمل ، وأمّا إذا فرّقنا بينهما عرفاً ، لزم قراءة الآية بالفتح . ثُمَّ إنَّ الفراغ ضدّ الشغل مطلقاً ، أي : انشغال الإناء بالماء أو انشغال الجسم بالعمل ، أو انشغال العقل بالعلم ، فالفارغ الذي لا علم له ، أو لا عمل له وهكذا . والتفريغ والإفراغ إزالة ذلك الشغل وإفراغ ما فيه ، أي : إخراج المظروف من الظرف ، فيكون فارغاً . ومن هنا عبّر عن الإفراغ بالصبّ ؛ لأنَّه إذا لاحظنا جانب الماء قلنا : انصباب ، وإذا لاحظنا جانب الظرف قلنا : فارغ أو فراغ ، فكلّما انصبّ الماء فرغ الإناء أكثر إلى أن يفرغ تماماً ، فكأنَّ الصبّ والفراغ متلازمان ، أو إنَّ أحدهما بمنزلة السبب للآخر ، ومن هنا قال تعالى : أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ، أي : صبّ علينا صبراً ، وهو معنىً مجازي قطعاً . وقوله تعالى : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغا « 1 » يُراد منه حينئذٍ أنَّه أصبح فارغاً من الطمأنينة والاستقرار . والوجه فيه : أنَّ قلب الإنسان في حياته الاعتياديّة مشغولٌ أو ممتلئٌ بالطمأنينة ، فإذا زالت يكون قلبه فارغاً من الطمأنينة والثبات والاستقرار ، والإنسان غير المطمئنّ يجد قلبه فارغاً ، ويحسّ أنَّ في وسط جسمه منطقةً فارغةً ، كما قال تعالى في آيةٍ أُخرى : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ « 2 » ، أي : فارغةٌ ليس فيها شيء . وفي ( المفردات ) ذكر الراغب شعراً :
--> ( 1 ) سورة القصص ، الآية : 110 . ( 2 ) سورة إبراهيم ، الآية : 43 .